الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

الرجل إنسان… ومن حقه أن يبكي

الرجل إنسان… ومن حقه أن يبكي

بقلم: نعمة حسن

مقالات ذات صلة

من الذي قال إن دمعة الرجل عيب؟
ومن الذي أقنعنا أن الرجولة تبدأ حين تجف العين، وأن الرجل كلما أخفى وجعه كان أقوى؟
كبرنا على جملة قاسية تُقال للصبي منذ نعومة أظفاره:
«ما تبكيش… إنت راجل.»
وكأن الرجولة ضد الإنسانية.
وكأن الرجل لا قلب له، ولا خوف، ولا فقد، ولا حنين، ولا خيبة، ولا لحظة يضيق فيها صدره بما حمل.
والأعجب أننا نرى الطفل يسقط فيبكي، فنحتضن البنت ونقول لها: «معلش يا حبيبتي»، ثم ننظر إلى الولد فنأمره أن يبتلع دموعه: «قوم… إنت راجل.»
ومن هنا تبدأ المشكلة.
نحن لا نعلّمه الشجاعة، بل قد نعلّمه أن يخفي ألمه.
لا ندرّبه على الصبر، بل أحيانًا ندربه على الكتمان.
لا نصنع رجلًا قويًا بالضرورة، بل قد نصنع إنسانًا لا يعرف كيف يعبّر عما يحدث في داخله.
وما علاقة البكاء بالرجولة أصلًا؟
البكاء ليس شهادة ضعف.
إنه استجابة إنسانية حين تعجز الكلمات عن حمل ما في القلب.
يبكي الإنسان من الفقد.
ويبكي من القهر.
ويبكي من الشوق.
ويبكي من الخوف على من يحب.
ويبكي حين ينهار حلم قضى سنوات في بنائه.
ويبكي حين يموت أبوه ولا يجد كتفًا يسند عليه رأسه.
ويبكي حين تتألم أمه أمام عينيه وهو عاجز.
ويبكي حين يخذله أقرب الناس إليه.
ويبكي أحيانًا من شدة الفرح بعد سنوات من التعب.
فأخبروني: أي شيء في هذه المشاعر ينتقص من الرجولة؟
الرجل الذي تبكي عيناه رحمةً ليس أقل رجولة من رجل يحبس دمعته.
بل إنني أخشى أحيانًا من تلك التربية التي تريد من الطفل أن يصبح حجرًا.
فنقول له طوال عمره:
لا تبكِ.
لا تشتكِ.
لا تقل إنك خائف.
لا تقل إنك متعب.
لا تظهر ضعفك.
تحمّل وحدك.
أنت الرجل.
ثم نندهش بعد سنوات حين يصبح زوجًا لا يعرف كيف يقول لزوجته: «أنا متألم».
ونغضب حين يصبح أبًا عاجزًا عن احتضان ابنه.
ونلومه حين يغلق على نفسه كل أبواب الحديث.
ونتساءل: لماذا صار قاسيًا؟
ربما لأننا أمضينا طفولته كلها نخبره أن المشاعر لا تليق بالرجال.
لا تربوا أولادكم على جفاف القلب
علّموا ولدكم أن الرجولة ليست في أن يمنع الدمع، بل في أن يعرف متى يبكي ومتى ينهض.
قولوا له:
ابكِ إن أوجعك الفقد، ثم قم.
ابكِ إن انكسر قلبك، لكن لا تظلم أحدًا بسبب كسرك.
قل إنك متعب حين تتعب.
اطلب المساعدة حين تحتاجها.
لا تخجل من خوفك، ولكن لا تجعل الخوف يحكم حياتك.
لا تعتذر عن الرحمة.
لا تعتبر الحنان نقصًا.
ولا تجعل القسوة قناعًا ترتديه حتى يقال عنك: «رجل».
فالرجولة ليست عضلات وصوتًا مرتفعًا ووجهًا جامدًا.
الرجولة موقف.
الرجولة مسؤولية.
الرجولة أمانة.
الرجولة عدل.
الرجولة أن تكون قويًا فلا تظلم، وأن تكون قادرًا فلا تتجبر، وأن تكون موجوعًا فلا تؤذي الأبرياء من حولك.
وقد يكون رجل عظيم شديد البأس، ثم تدمع عيناه أمام مرض طفل.
وقد يكون رجلًا يقود المئات، ثم يبكي عند قبر أمه.
وقد يكون رجلًا يحمل أسرته كلها على كتفيه، وحين يغلق باب غرفته تسقط منه دمعة لم يرها أحد.
فلا تقولوا له إن هذه الدمعة تنتقص منه.
ربما كانت هي الدليل الأخير على أن قلبه ما زال حيًا.
«وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال»
ما أقسى القهر على الإنسان.
هناك رجال يمشون بين الناس بوجوه ثابتة، ولا يعلم أحد مقدار الحروب التي تدور خلف تلك الوجوه.
رجل أرهقته الديون.
وآخر فقد عمله ويعود إلى أطفاله كل مساء مبتسمًا حتى لا يخيفهم.
وثالث دفن أبًا أو أمًا ولم يجد فرصة كافية حتى يحزن، لأن الجميع ينتظر منه أن يكون «الرجل الذي يتماسك».
ورابع يحمل بيتًا كاملًا ولا يملك رفاهية الانهيار.
وخامس تُكسر نفسه ثم يُطلب منه في اللحظة نفسها أن يبدو طبيعيًا.
ألا يحق لهؤلاء أن يبكوا؟
بلى.
بل يحق للرجل أن يقول: تعبت.
ويحق له أن يقول: أنا خائف.
ويحق له أن يقول: هذه المرة كانت فوق احتمالي.
ويحق له أن يبحث عن صدر يأمن إليه بدل أن يحول الألم إلى غضب وصمت وقسوة.
وهناك رجال في قلوبهم من الرحمة ما يفوق الوصف
لا تقيسوا رقة القلب بالجنس.
فكم من رجل دمعت عيناه لمشهد يتيم.
وكم من أب ظل ليلًا كاملًا إلى جوار سرير ابنته المريضة.
وكم من أخ حمل هم أخته أكثر مما حمل هم نفسه.
وكم من زوج أخفى تعبه حتى لا يخيف أسرته، ثم وجد نفسه يبكي وحيدًا.
وكم من رجل لا يحتمل رؤية حيوان يتألم، أو مسكين ينكسر، أو عجوز يحتاج إلى من يسانده.
هل نطالبه أن يخجل من هذه الرحمة؟
بل هذه الرحمة من أجمل ما يمكن أن يسكن قلب إنسان.
القلب الرحيم لا يضعف صاحبه، بل يهذّب قوته.
وما أخطر القوة حين لا تسكن بجانبها الرحمة.
لا تقولوا لابنكم: «لا تبكِ لأنك رجل»
قولوا:
ابكِ إن احتجت، ولكن لا تستسلم.
فالفرق كبير.

هناك بكاء يريح القلب ثم يعيده إلى الطريق.
وهناك استسلام يوقف الحياة.
ونحن لا نريد أبناء بلا دموع، ولا نريد أبناء غارقين في اليأس.
نريد رجالًا يعرفون مشاعرهم ولا تخيفهم.
يعرفون الحزن ولا يعبدونه.
يمرون بالضعف دون أن يصبح الضعف هويتهم.
يسقطون ثم يقومون.
يتألمون دون أن يتحول الألم في داخلهم إلى عنف تجاه زوجة أو طفل أو موظف أو إنسان أضعف منهم.
أخطر رجل ليس الذي يبكي
أخطر رجل هو الذي أقنعناه طويلًا أن البكاء حرام على رجولته، ثم لم نعلّمه طريقًا آخر لتفريغ الألم.
فقد يتحول الحزن إلى غضب.
والخوف إلى عصبية.
والجرح إلى عناد.
والقهر إلى عدوان.
ثم ننظر إلى النتائج ونلومه وحده، مع أننا شاركنا منذ طفولته في بناء جدار الصمت حوله.
دعوا الرجل يبكي قبل أن يتحول وجعه إلى شيء آخر.
دعوه يتحدث.
دعوه يعترف بأنه مرهق.
دعوه يجد في بيته مكانًا يمكنه أن ينزع فيه درع الحياة قليلًا.
فالبيت الذي لا يستطيع الرجل أن يقول فيه «أنا متعب» ليس دائمًا بيت راحة، حتى لو كان جميلًا من الخارج.
والزوجة التي يفزع زوجها من أن ترى ضعفه تخسر جانبًا عميقًا من قربه.
والأب الذي لا يستطيع أن يبكي أمام ابنه خوفًا من سقوط هيبته، ربما يحتاج أن يعرف أن ابنه قد يتعلم من دموعه درسًا أعظم:
أن الرجال أيضًا يشعرون، ولكنهم لا يسمحون للألم أن يحولهم إلى ظالمين.
الرجولة ليست أن تكون حجرًا
الرجل الحقيقي ليس من لا يبكي.
الرجل الحقيقي قد يبكي ثم يمسح دموعه ويؤدي واجبه.
قد ينكسر قلبه ولا يكسر قلبًا آخر.
قد يخاف ويستمر.
قد يحزن ولا يظلم.
قد يتألم ولا يخون.
قد تضيق به الدنيا، ومع ذلك يحفظ لسانه ويده وأمانته.
هذه هي القوة.
أما الوجه الجامد فليس دليلًا.
والصوت الخشن ليس دليلًا.
وكتمان الألم حتى الانفجار ليس بطولة.
فرفقًا بالرجال
رفقًا بالصبي الصغير حين يبكي.
لا تسخروا منه.
لا تقولوا أمام إخوته: «إيه يا عم، إنت بنت؟»
ففي هذه العبارة ظلم للبنت وإيذاء للولد معًا؛ جعلنا الإحساس عيبًا، وربطنا الرحمة بالضعف.
علّموا أبناءكم بدلًا من ذلك:
أن الإنسان يبكي.
وأن الرجل يحزن.
وأن القوي يتعب.
وأن الشجاع يخاف أحيانًا.
وأن الرجولة ليست غياب المشاعر، وإنما حسن قيادتها.
علّموهم أن العين التي تبكي اليوم قد تكون هي نفسها العين التي تقف غدًا بكل شجاعة أمام الدنيا.
وأن اليد القوية يمكنها أيضًا أن تمسح دمعة طفل.
وأن القلب الصلب أمام الشدائد لا يعني قلبًا قاسيًا على الناس.
دعوا الرجل إنسانًا.
فهو قبل أن يكون زوجًا، وأبًا، وأخًا، ومسؤولًا، وسندًا، ومنفقًا، ومدافعًا، وحاملًا لأثقال الآخرين…
هو إنسان.
له قلب.
وله طاقة.
وله لحظات قوة ولحظات وهن.
وقد تأتي عليه ليلة لا يريد فيها حلًا ولا موعظة ولا من يقول له: «شد حيلك».
يريد فقط إنسانًا يفهم أن صدره ضاق.
وربما دمعة.
ثم يقوم.
فلا تجعلوا الرجولة سجنًا للمشاعر.
الرجل لا يفقد رجولته حين يبكي…
لكنه قد يفقد شيئًا من إنسانيته يوم نعلّمه أن قلبه يجب ألا يشعر.
وأجمل الرجال ليس من ماتت دموعهم…
بل من بقيت في قلوبهم الرحمة، وفي ظهورهم القوة، وفي مواقفهم الرجولة.
حفظ الله كل رجلا ادمعت عيناه من قلب رحيم .
مع تحياتي ..
نعمه حسن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى